الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

81

نفحات القرآن

قال « الراغب » في « المفردات » : الجزاء في الأصل بمعنى الاستغناء والاكتفاء ، واطلقوا على الثواب والعقاب جزاء لأنّهما يكفيان لإصلاح العمل المرتكب ، وجاء نفس هذا المعنى في مقاييس اللغة أيضاً . ومن الجدير بالذكر أنّ الخطاب في الآيتين الأوليين موجّهٌ إلى بني إسرائيل الذين يضرب بهم المثل على مدى الدهور بالتعصّب العرقي والقومي ، فالقرآن ينذرهم بقوله : أنتم الذين تحملون روح التعصب فيما بينكم فسوف تنسون كل شيء في ذلك اليوم العظيم ، كل شيء إلّاأنفسكم . والحقائق الناصعة التي تحملها هذه الآيات لا تحتاج إلى توضيح ؛ وذلك لأنّها تُثبتُ بوضوح أنّ أهوال يوم القيامة والوقائع الصعبة التي تقع في ذلك اليوم العظيم لا مثيل لها في هذه الدنيا ، ففي هذه الدنيا يوجد الكثير ممن يضحّي للآخرين بنفسه من أجل الروابط العاطفية ، ولكن هذا الأمر لا يَصْدُق في يوم القيامة على أحد . 53 - يوم تبيضُّ وجُوهٌ وتسودُّ وجُوهٌ هذا التعبير الذي جاء في مورد واحد من القرآن المجيد هو بيانٌ لبعدٍ آخر من أبعاد ذلك اليوم العظيم ويعكس صورة أخرى عن يوم المحشر ، قال تعالى : « يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ » . ( آل عمران / 106 ) والوجوه المنيرة هي لأولئك الذين تنعّموا بنور الإيمان فيظهر هذا النور على وجوههم لأنّ يوم « القيامة هو يوم تبرز فيه السرائر » قال تعالى : « وَأَمَا الَّذِين ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيَها خَالِدُونَ » . ( آل عمران / 107 ) أمّا أصحاب القلوب المظلمة الذين خَلَتْ قلوبهم من النور ، والكفار والمجرمون الذين اسودّت قلوبهم فإنّ ظلمات باطنهم تخرج إلى ظاهرهم ، ويُغمرون في عذاب اللَّه ويقال لهم : « فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » . ( آل عمران / 106 )